الشنقيطي
331
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
معروف ، وهو أن يقال : كيف قال هذا النبي الكريم للسحرة ألقوا ؛ أي ألقوا حبالكم وعصيكم ، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة اللّه التي أيد بها رسوله ، وهذا أمر بمنكر ؟ والجواب - هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام ، لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر ، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم ؛ فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل . ولأجل هذا قال لهم : ألقوا ، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) [ 66 ] . قرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر تخيل بالتاء ، أي تخيل هي أي الحبال والعصي أنها تسعى . والمصدر في « أنها تسعى » بدل من ضمير الحبال والعضي الذي هو نائب فاعل يُخَيَّلُ بدل اشتمال . وقرأ الباقون بالياء التحتية . والمصدر في أَنَّها تَسْعى نائب فاعل يُخَيَّلُ . وفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه ، والتقدير : قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم ، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى . وبه تعلم أن الفاء في قوله فَإِذا حِبالُهُمْ عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله : * وحذف متبوع بدا هنا استبح * و « إذا » هي الفجائية ، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا . والحبال : جمع حبل ، وهو معروف . و « العصي » جمع عصا ، وألف العصا منقلبة عن واو ، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية : ومنه قول غيلان ذي الرمة : فجاءت بنسج العنكبوت كأنه * على عصوبها سابري مشبرق وأصل العصي عصوو على وزن فعول جمع عصا ؛ فأعل بإبدال الواو التي في موضع اللام ياء فصار عصويا ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء ، فالياء أن أصلهما واوان . وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في الخلاصة بقوله : كذاك ذا وجهين جا الفعول من * ذي الواو لام جمع أو فرد يعن وضمة الصاد في وَعِصِيُّهُمْ [ 66 ] أبدلت كسرة لمجانسة الياء ، وضمة عين « عصيّهم » أبدلت كسرة لاتباع كسرة الصاد . والتخيل في قوله يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ( 66 ) هو إبداء أمر لا حقيقة له ، ومنه الخيال . وهو الطيف الطارق في النوم . قال الشاعر :